الأولىبأقلامهم

يذهبون بِبَعضِنا….

على وقع اليوم الدراسي الأخير كتبت الأستاة صباح سلامة قالت:
يذهبون بِبَعضِنا….
أشعر بأنني أترك بعضي عندهم ..
كلما مرت سنة ذهب بعضهم بقطعة منّي ، وحل فريق جديد ليقتسم ما تبَقّى ، يأخذه ويرحل في نهاية السنة اللاحقة ..أترك خلفي كثيرا من تفاصيلِي في القاعات ، وكثيرًا من خطوط يدي على السبّورات . وعلى المصاطب آثار لأقدامي التي وقفت طويلا وارتعاشات مفاصلي ساعة التعب .كلما حلت الحصص الأخيرة من كل سنة يزحف عليّ شعور غريب يتجدد وكأنني أعيشه للمرة الأولى ، وتتابعهم عيوني وهم يتركونني خلفهم ويمضون في مسارِبهم ..يتساوُون عندي وقتها ويصبحون واحدا ، مع نبضات قلب زائدة للبعض منهم . ينتابني شعور بالتّملّك وأنا أرى في وجوههم شهورا مرت عليّ وأنا أنحت في بنائهم بعض ركائزَ تُسنِد هشاشتهم وصِغر كسبهم ، لكني أدرك حتما أنهم ليسوا لي ، وأنني قد أغدُو مجرد ذكرى في دفاترهم ، أو في خانة صغيرة من ذاكرتهم ،وأنني ربما سقطت بالتقادُم منها ولفّتني الأيام في لفائفها..
أنا لست موظفا في مكتب ، ولست سائق سيارة أجرة ،ولست بائعة في مساحة كبرى للسع.. أنا لست أيًّا من هؤلاء وغيرهم ، أولائك الذين يلتَقُون الشخص مرة واحدة في حياتهم وحياته . أنا أشتغل مع “الإنسان “، لا آلةَ بيننا ولا شأن يقضيه لديَّ ويمضي . أنا أعيش وأحيا مع نفوس طريَّةٍ ووُجوهٍ نديَّةٍ ، تُطالعني كل يوم ، وتجلس إليَّ ، وتسمع منّي ، وبعضها يرنو طويلا إليَّ ، وربما إذا غبت يوما حنَّ إليَّ . أنا مع بَشَرٍ بين يديَّ ، يحملون هموما صغيرة ، وكثيرا ما كانت لدى البعض منهم كبيرة . بشر يقاسمونني يومي ، فيلحظون في عيوني همِّي ، ويقتنصون بَسمَتي في ملامحي ، ولا تفُوتهم عثراتي وزلِّاتي ، فيكتمونها عليَّ ، يحفظون ألوانَ فساتيني وأشكالَ أحذيتي ، وحجمَ محفظتي ، ولا يخطِؤون رائحةَ عطري ، وحتى عددَ الدَّبابيس التي تشدُّ لفَّةَ رأسي ، ويلتقطون كلمات الارتِكازِ لديَّ ، وينسِبونَها همسا إليَّ ، ويسمُّونني بها خُفيةً عنّي ..وأحفظ ألوان عيونهم ، وأشكال وجوههم ، وأدرس مع الأيام مُيولهم ، وأغوص في ما يشغل عقولهم ، وأراقب سرًّا حُمرة الحياة على ملامحهم عندما يطرق الحب باكرا أبواب قلوبهم ..
يتسرَّبُون مع الأيام إليَّ ، ويَتَغلغلُون فيَّ ، حتى أظنُّ أنهم ينتمون إليَّ ، إلى أن تأتي حصص العام الأخيرة وتنبِّهني أنهم ما كانوا غير عابرين مرِّوا بين يديَّ ، وأخذوا بعضي وسلّمُوني إلى وداع جديد صعب عليَّ..
نحن نسافر فيهم وإن كانوا لا يعلمون..

اظهر المزيد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى